حسن بن موسى القادري

49

شرح حكم الشيخ الأكبر

هو قال اللّه تعالى : وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [ الإسراء : 23 ] . وحكم اللّه لا يتغير ، فالسعيد من عبده من مكان قريب ، والشقي من عبده من مكان بعيد ، ويلزم من حصر العبادة فيه حضر الإرادة وإلا قصد أيضا ، ولا موجود إلا هو : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : 88 ] ، وكان تعالى ولا شيء معه ، والآن إلى أبد الآباد على ما كان ، فالعالم بأسره صورة اللّه تعالى من حيث أنه يدرك به ، وصورة الشيء ما به يحس أو يعقل فهو بأسره ظاهره ؛ لأن صورة الشيء ظاهره ، وهو تعالى بمنزلة الروح المدبر للبدن ، والروح باطن وهو قبل البدن ، والبدن يزول والروح يبقى ، فهو الأول والآخر والظاهر والباطن ، فأول من جهة كونه آخرا ، وآخر من جهة كونه أولا ، وظاهر من جهة كونه باطنا ، وباطنا من جهة كونه ظاهر إلا أنه أول وآخر من جهتين ، وكذلك الظاهر والباطن ؛ لأنه لو كان آخريته بمعنى انتهاء الوجودات إليه ولا يوجد بعده ممكن آخر للزم الفساد والكذب ؛ إذ لا آخر للممكن ؛ لأن الممكنات غير متناهية ، وإن كانت بحسب نشأتها الأخروية فلا آخر لها ، وإذا لم يكن لها آخر ، فكيف يكون الحق سبحانه آخرا لها ؟ بل هو آخر لرجوع أمر الوجود وتوابعه إليه تعالى بفناء الموجودات ذاتا وصفاتا وأفعالا في ذاته وصفاته وأفعاله إذا ظهرت القيمة الكبرى أو القيمة الدائمة المشاهدة للعارفين ، فالوجود وتوابعه كان أولا للّه تعالى ، ثم نسب إلى الخلق ، ثم بعد هذه النسبة رجع الكل إليه ، فالحق تعالى جمع بإطلاق هويته بين الأضداد وهو ظاهر بها أزل الآزال وأبد الآباد ؛ لأنه تعالى بهويته سارية في جميع الموجودات بباطنها في البواطن ، وبظاهرها في الظواهر . كما قال الشيخ قدس سره : ( الذي تجلت ) أي : ظهرت أسراره ( في معاني هي الأرواح ) ؛ لأن الأبدان للأرواح كالألفاظ للمعاني ، وسيأتي أنه لمعت أنوراه في الأشباح ، فالأسرار للبطون والأنوار للظهور والجمع فيهما باعتبار التعينات فاعرف . ففي البواطن باطن ، وفي الظواهر ظاهر ، ولا يكون ظاهرا إلا وله باطن ، فهو الظاهر في عين البطون ، والباطن في عين الظهور ، وهو الأول في عين الآخرية ، والآخر في عين الأولية ، فهو عين ما ظهر وعين ما بطن ، وما ثمّة من يراه ، ولا من يبطن عنه سواه ، لكن إذا ظهر الظاهر بأنانيته وأظهر أحكامه وآثاره بنفيه الاسم الباطن ولا يجامعه ، ولا